قصة علمية

من الحرم الجامعي إلى درب التبانة

كيف يستطيع طبق راديوي في جامعة أن يفتح للطلبة نافذة على إشارات الهيدروجين القادمة من مجرتنا؟

مثال على خط الهيدروجين H I من مادة المشروع
مثال من مادة المشروع التعليمية لخط H I بطول 21 cm.

من الحرم الجامعي

عندما ننظر إلى السماء ليلاً، فإننا نرى جزءاً صغيراً فقط مما يحدث في الكون. فالنجوم والمجرات لا ترسل الضوء المرئي فحسب، بل تبعث أيضاً موجات راديوية تحمل معلومات لا تستطيع العين رؤيتها.

ما الذي يتيحه علم الفلك الراديوي؟

يتيح علم الفلك الراديوي دراسة الكون من خلال استقبال إشاراته الراديوية وتحليلها. ومن هنا ظهر سؤال المشروع: هل يمكن لطلاب الجامعات خوض هذه التجربة بأنفسهم، بدلاً من أن تبقى مرتبطة بالمراصد العالمية الضخمة؟

هل يستطيع طلاب الجامعة تجربة ذلك بأنفسهم؟

انطلقت المبادرة من الجمعية السعودية لهواة اللاسلكي لتقريب علم الفلك الراديوي من الطلاب والجامعات، ثم تطورت بالتعاون مع جامعة الأمير سلطان وعدد من الجامعات والمؤسسات العلمية، بهدف بناء مرصد تعليمي يجمع بين البساطة والكفاءة وانخفاض التكلفة.

مرصد بقطر خمسة أمتار

تمكن الفريق من بناء مرصد يعتمد على طبق عاكس بقطر 5 m وتقنيات حديثة للاستقبال الرقمي، بتكلفة إجمالية تقل عن عشرة آلاف ريال سعودي للمحطة الواحدة. يمنح هذا التصميم الطلبة فرصة التعامل مع منظومة حقيقية: هوائي، تغذية، مستقبل، وبرنامج يحول الإشارة إلى قياسات.

كيف يمكن أن نسمع مجرة درب التبانة؟

يصدر الهيدروجين الموجود بين النجوم إشارة راديوية طبيعية مميزة عند تردد يقارب 1.42 GHz. ويمكن اعتبار هذه الإشارة بصمة راديوية تكشف عن وجود الهيدروجين وتوزيعه داخل المجرة.

المسح العابر ودور دوران الأرض

صُمم المرصد التعليمي لالتقاط هذه الإشارة الضعيفة القادمة من الفضاء. وبدلاً من تحريك الطبق باستمرار لتتبع السماء، يبقى المرصد ثابتاً وموجهاً إلى أعلى، بينما يتولى دوران الأرض عملية المسح تدريجياً. ومع مرور الوقت، تعبر مناطق مختلفة من درب التبانة أمام مجال رؤية المرصد.

من الإشارة الراديوية إلى بيانات رقمية

بعد استقبال الإشارة، تُستخدم تقنيات الراديو المعرّف برمجياً SDR لتحويل الإشارات الراديوية إلى بيانات رقمية يمكن للحاسوب تحليلها وعرضها في صورة رسوم وخرائط توضح تغير الإشارة مع الزمن والتردد.

رصد أذرع المجرة

أظهرت القياسات قدرة النظام على رصد انبعاثات الهيدروجين القادمة من مناطق مختلفة من مجرة درب التبانة، وتمييز إشارات مرتبطة بأذرعها. وهكذا يرى الطلاب بيانات حقيقية قادمة من مجرتنا، لا محاكاة حاسوبية فقط.

من مرصد واحد إلى شبكة جامعية

لم تبقَ التجربة محصورة في موقع واحد؛ فقد وثقت المرحلة المنشورة تكرار المرصد في خمس جامعات سعودية في ثلاث مدن باستخدام تصميم ومبادئ تشغيل متشابهة. وأتاح ذلك مقارنة القياسات القادمة من مواقع مختلفة وتشكيل نواة شبكة تعليمية للمراصد الراديوية في المملكة.

دور جامعة الأمير سلطان

كان لجامعة الأمير سلطان دور محوري في تطوير المشروع ونجاحه، من خلال باحثي كلية الهندسة وخبراتهم العلمية والتقنية ومشاركتهم في إعداد وتشغيل التجهيزات اللازمة. كما برزت الجامعة بوصفها موقعاً لـ«منارة الرياض الفضائية» ومركزاً لنقل المعرفة والخبرة.

نقل الخبرة وبناء القدرات

استقبلت الجامعة طلاباً من جامعات أخرى في دورات تدريبية عملية تعلموا خلالها تشغيل المراصد الراديوية وإدارة محطاتهم، بما دعم بناء القدرات وتبادل الخبرات بين الجامعات السعودية.

الطلاب في قلب التجربة

تكمن قوة المشروع في بساطة فكرته وأثرها. فبدلاً من أن تبقى علوم الفضاء موضوعاً بعيداً يقرأ عنه الطالب في الكتب، أصبح بإمكانه الوقوف داخل جامعته أمام مرصد حقيقي، واستقبال إشارات قادمة من مجرة درب التبانة وتحليلها بنفسه.

عندما تصبح الجامعة نافذة على الكون

استكشاف الفضاء لا يبدأ دائماً بصاروخ أو قمر صناعي؛ فقد يبدأ أحياناً بطبق هوائي داخل الحرم الجامعي، وفكرة علمية، ومجموعة من الطلاب ينظرون إلى السماء بطريقة مختلفة.

افتح المحاضرة التفاعلية النظرة التقنية بالعربية